top of page

الأطرش للإستـشـارات

والـتـطويـر الأكـاديمــي

منشور جديد - 24 يناير 2026

الدبلوماسية الليبية:

الإستعصاءات والإستحقاقات

أ.د. أحمد علي الأطرش

أكاديمي وباحث في السياسة والعلاقات الدولية

ليبيا

تمهيد(1)

نظراً للاهتمام المتزايد - على صعيدي الفكر والممارسة -، بموضوع "إعادة بناء الدولة" في مرحلة ما بعد النزاعات، تسعى هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على الدبلوماسية الليبية، وذلك في محاولة لتشكيل إضافة للبناء المعرفي/الخبراتي.

إن الاهتمام بإصلاحات جذرية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، من حيث الرؤية المتضمنة للمبادئ والغايات والأدوات، لا تقل إلحاحية عن معالجة الجناح الأخر في جسم الدولة، أي السياسة الداخلية تحديداً، وخاصة فيما تسمى اصطلاحاً "الدولة الهشة"(2) (fragile state)، أي تلك التي تمر بمرحلة إعادة البناء، مثل حالة ليبيا في المرحلة الراهنة(3). إن جل التركيز في السجال الحاصل الآن حول مستقبل ليبيا منصب على الشؤون الداخلية، وهذا ناتج عن أولويات متعلقة باستحقاقات آنية/ظرفية/مصلحية ضيقة.

قد يبدو للكثير أن ليبيا، كدولة نفطية ثرية نسبياً، قادرة على تجاوز المرحلة بإمكانياتها المالية، إلا أن هذه المغالطة قد تنعكس سلباً على العملية الإصلاحية برمتها. إن التلازم بين القيم المادية والمعنوية/المعرفية هي ركيزة منظومة القيم ومكامن القوة التي ترقى من خلالها الأمم، كما أن التفاعل بين السياسات (الداخلية والخارجية) لأي دولة هو من بديهيات علم السياسة وفنون إدارة الدولة في عالمنا المعاصر.

من هذا المنطلق، تهدف المساهمة إلى التركيز على الدبلوماسية الليبية، وذلك من خلال الإجابة على التساؤلات المحورية المتعلقة بتحديات تنفيذها، وإمكانات تقويمها، وآفاق تطوريها في عالم يتسم بالديناميكية وتعدد الرؤى وتشابك المصالح والمطامع. إن الغاية هنا تكمن في طرح أفكار تنويرية بديلة تنطلق من تحديد مكامن القوة والوهن للأدوات المتاحة والمستخدمة في تعزيز فعالية المسار الدبلوماسي الليبي، وذلك عبر تناول الموضع من خلال جزئيتين: الأولى، تحديد التحديات التي تواجه وتعيق وضع إطار فعال لدبلوماسية ليبية أفضل (على الصعيدين البنيوي/الداخلي والخارجي)؛ والثانية تتعلق بسبل التطوير؛ مع التنويه بأن الفترة الزمنية للدراسة سوف تقتصر على ما بعد 1969 وحتى وقتنا الحاضر، وذلك لكون أجهزة أبان العهد الملكي كانت منهمكة في قضايا تأسيسية للدولة لمرحلة الحصول على الاستقلال والحفاظ عليه.

كما يجب الإشارة إلى أننا ستناول الموضوع بدمج مرحلتي الفترة الزمنية للدراسة (1969-2011 ، ومنذ 2011 إلى الآن) لكونهما تتسمان بتشابه ناجم عن عقلية وتراكمات ترقى إلى مستوى التطابق في الملامح العامة والسلوكيات والأداء؛ مع اختلاف في مؤشرات وبوصلة التوجهات والولاءات. سنسعى في الخاتمة لطرح رؤية إستشرافية لمستقبل ومآلات المسار الدبلوماسي الليبي. وذلك كمحاولة مرجعية تأطيرية يمكن الاستئناس بها والتأسيس عليها عند وضع معالجات للوهن الذي يعتري جهود صنع وتنفيذ السياسة الخارجية الليبية، بشكل فعال وأشمل.

 (1) يستوجب التنويه هنا إلى أن هذه الورقة قد أُعدت بناءً على دعوة من "اللجنة العلمية" للمشاركة بها في مؤتمر وزارة خارجية حكومة "الوحدة الوطنية"، والذي عُقد بمدينة طرابلس بتاريخ 30/11/2025 تحت مسمى "الدبلوماسية الليبية"، إلا أنها، وببالغ الأسف، جوبهت بالرفض من طرف هذه "اللجنة"، دون توجيه اعتذار رسمي يتضمن المسوغات. أن هذا السلوك غير السوي يستدعي الامتعاض من ممارسات إستهواء التبجيل، وإستعداء التفكير الناقد، ولدواعي لا يسع ولا يليق المقام الخوض في تفاصيلها. لذا، ارتأيت نشرها (بعد تنقيحها وتحوير عنوانها وفق منظور واقعي) بغية ملامسةً جانب من الحقيقة المغيبة، وتداولاً لحيز من المعرفة المستنيرة حول الموضوع قيد الدراسة.

(2) يُنظر إلى دولة ما بأنها هشة عندما تكون غير قادرة على مواكبة تطلعات مواطنيها أو التعامل مع التغيرات التي تطرأ على توقعات المواطنين واستيعابها خلال العملية السياسية. وهكذا فإن الهشاشة تنجم عن اختلال كبير في التوازن في علاقات الدولة مع المجتمع. ولها أسباب كامنة متعددة، مزمنة وخطيرة على حد سواء، ويمكن أن تخلف عواقب مضاعفة، من أكثرها مدعاة للقلق قابلية التأثر بالنزاعات الداخلية والعجز عن التغلب على الكوارث الإنسانية وازدياد فرص انهيار الدولة"، الشبكة المشتركة لوكالات التعليم في حالات الطوارئ"،

https://inee.org/ar/eie-glossary/aldwlt-alhsht. 

 

 أنظر أيضا: " الموسوعة السياسية"،

https://politicalencyclopedia.org/dictionary/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%B4%D8%A9 

لمزيد التفاصيل حول مصدر مفهوم الدولة الهشة والجدال الدائر حوله، أنظر على سبيل المثال: أحمد المرابطي،  "قراءة نقدية في مفهوم الدولة الهشة" المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 529، مارس 2023، ص ص 137-149.

(3) لمعرفة تصنيف ليبيا ضمن الدول الأكثر هشاشة في العالم، أنظر مؤشر الدول الهشة:

fragile States Index (FSI), https:/fragilestatesindex.org/indicators/

التحديات

اولاً/ على الصعيد الداخلي

يرى البعض أن التحدي الأبرز والأساس الذي يواجه مساعي وسبل تحقيق دبلوماسية ليبية ناجعة يكمن في الإنقسام السياسي والمؤسساتي  وتداعيات ذلك على حالة الوهن الذي أصاب المرجعبات والتشريعات والقانونية والدستوية ذات الصلة، لا من حيث التصييغ فحسب، بل من حيث مدى الالتزام بها تنفيدياً، وقد تكون هذه الرؤية محقة في ذلك نسبياً وجزئياً. عند محاولة طرح تقييم موضوعي للأداء الدبلوماسي خلال الفترة الزمنية للدراسة، بما فيها مرحلة ما قبل "الإنقسام"، يتضح جلياً أنها لم تكن في المستوى الذي يخدم المصالح الوطنية العليا للدولة الليبية.

إن المراجعة المتعمقة والرصينة للسياسة الخارجية الليبية (رسماً وتنفيداً) تكتشف أن السمة الأبرز لها طيلة العقود الماضية تنحصر في متلازمة الشخصنة والغنيمة؛ مع ارتهانها للنرجسية والنظرة الضيقة حيال والقضايا والتفاعلات الدولية. هذا يصب بالضرورة في خدمة أمن السلطة الحاكمة، وليس أمن الدولة بمفهومها المتعارف عليه في أبجديات السياسة وقواميسها. من البديهي إن رؤى وأهداف السياسية الخارجية لأية مكون دولي تتطلب تكريس آليات أو أدوات للتنفيذ لخدمته، إلا أن  وما حصل في ليبيا، وغيرها من الدول المماثلة (من حيث طبيعة نظام الحكم والوهن المؤسساتي) هو انعكاس لهذه السلوكيات.

من هذا المنطلق يمكن استجلاء حقيقة أن أدوات تنفيذ السياسة الخارجية لازالت مقتصرة على وسيلتين: الأولى محورية، ممثلة في رؤى شخصية/فئوية ضيقة، وذلك عبر اللقاءات (في الداخل والخارج) مع وفود وشخصيات رسمية أجنبية؛ أما الثانية فهي تابعة/إنصياعية، بمعنى أنها تجسدت عبر أجهزة غير احترافية نفعية مكرسة لتنفيذ مآرب من هم في سدة الحكم، دون وضع إعتبار للمصالح الوطنية العليا. إن استعصاء اتخاذ موقف تجاه أية قضية (حتى الإجرائية منها) دون الرجوع لهرم السلطة أو للمتبوع (أي من كان له الفضل في منح فرصة العمل في الخارج) تعتبر من أبرز معوقات التفاوض بشكل خاص، والعمل الدبلوماسي عموماً، وذلك لكونها تعكس  مدي شمولية واستبدادية نظام الحكم في أية دولة في عصرنا الراهن.

لقد اعتمدت سياسة تولي المناصب في السلك الدبلوماسي الليبي (سواء في الهيئات الدبلوماسية في الخارج والمتمثلة في السفارات أو ما كانت تسمى ب "المكاتب الشعبية"، بما في ذلك ممثلي ومندوبي ليبيا في المنظمات الدولية والإقليمية مند 1969) على معايير تستند على الموالاة والطاعة (للنظام الحاكم لا للدولة)، وذلك من منظور نفعي مصلحي وشخصاني، متمثلاً  في عقلية "توزيع الولائم بين أجهزة السلطة، بما فيها الأمنية منها"، مع مراعاة المحاباة والقرابة والود والتكريم وشراء الذمم، والإقصاء (النفي التكتيكي) لشخوص "ملهمة" قد تشكل خطراً على ديمومة السلطة الحاكمة خلال بقائها في الداخل. السبب، وحسب إدراك عامة الليبيين, أن مثل هذه الوظائف، التي مكث فيها الكثير - حتى وقتنا الحاضر- دون مراعاة للقوانين واللوائح ذات الصلة، كانت إحدى الوسائل المتاحة والسريعة لجمع الثروة ونهب المال العام، مع كونها فرصة للتقرب من فواعل وشخوص النظام. هذا أدى بالضرورة لكارثة للتكدس الوظيفي،(4) دون مراعاة لمسألة التخصص والتأهيل والقدرة، في الأجهزة المعنية في وزارة (أو بالأحرى وزارتي الخارجية !) وبعثاتها الدبلوماسية المنتشرة  في كل بقاع العالم، وبشكل يدعو للدهشة واالسخرية ولإمتعاض في آن واحد؛ حيث بلغت هذا نهاية عام 2024 "145 سفارة، وقنصلية ومندوبية وبعثة"(5)، وفي دول ومناطق لا توجد بها جاليات ولا مصالح ليبية إطلاقاً!، مما أسهم في هدر ثروات وطنية طائلة دون جدوى.

في تقديري، ودون الخوض في التفاصيل، كانت البعثات الدبلوماسية الليبية، وكما هو الحال بالنسبة لباقي الأنظمة المماثلة، تقوم بدور العبث بمقدرات وإستشمارات وأصول الدولة في الخارج، ناهيك عن ممارستها لمهام مشابهة للوكالات السياحية/الخدمية لشخوص وأعوان وأذناب السلطة ! وليس للعمل الدبلوماسي المتعارف عليه. من خلال هذه النظرة نستنتج أن سياسة إقصاء وتهميش ذوي الكفاءة والقدرة، والوطنية أيضا، بما في ذلك القطيعة المتعمدة من قبل المشرعين والممارسين للسياسة الخارجية الليبية حيال الباحثين في العلوم السياسية بكافة تفرعاتها، كانت ولا زالت، تشكل خلل جوهري، مما انعكس سلبا (كما أريد لها !) على أداء هذه المؤسسة التي تندرج ضمن الوزارات السيادية في الدول المعاصرة.

(4)  في هذا السياق يستوجب توضيح حقيقة أن موظفي السفارات والبعثات الدبلوماسية لا ينتمون جميعاً لوزارة الخارجية، بل يشملهم كم هائل من الملحقين والعاملين التابعين لقطاعات أخرى مثل الصحة والتعليم والمالية والدفاع والداخلية وغيرها. هذا لا يعني أنهم لا ينضوون تحت طائلة العبث الحاصل، وذلك لكونهم يتقاضون مرتباتهم ومزلياهم من ميزانية الدولة ووفق نفس القوانين والتشريعات النافذة والمتعلقة بالعمل الخارجي.
(5)  التقرير العام لديوان المحاسبة الليبي لسنة 2004، ص 285،
https://www.audit.gov.ly/ar/wp-content/uploads/2025/12/report2024.pdf 
لمزيد التفاصيل حول مدى الفساد المالي والإداري لقطاع الخارجية الليبي، انظر هذا التقرير (ص ص 279-342)، وتقارير نفس المصدر للسنوات السابقة له.

ثانياً/ على الصعيد الدولي والإقليمي

من البديهي أن التحديات الداخلية لأية دولة لها تأثير مباشر وقوي على سياستها الخارجية، وهذا ينطلي على الحالة الليبية لا محالة. عند قراءة المشهد الدبلوماسي، ومدى علاقته بالأوضاع الداخلية، نجده مر بثلاثة مراحل متباينة وغير متناغمة، على صعيد التحديات والفرص؛ مما أسفر عن تخبط أضر بالدور المناط بالدبلوماسية الليبية بشكل عام. لذا يمكننا التعريج على أبرز ملامح التحديات الخارجية من خلال إضاءات، ووفق هذا السياق الزمني المرحلي.

المرحلة الأولى،  منذ الاستقلال وحتى 1969، والتي أتسمت بالتركيز على بناء وترتيب البيت الداخلي بعد أمد طويل من الإستعمار. هذا ناجم عن تركة إستعمارية ثقيلة، ناهيك عن وضع إقتصادي مترهل بسبب شح الموارد، مما أجبر السلطات في تلك الحقبة على خيار تبني سياسة خارجية متوافقة مع الظروف والإمكانات المتاحة، لاسيما أن الحصول على إعتراف ودعم دوليين كان  في سلم الأولويات.

المرحلة الثانية (1969-2011)، تأثرت خلالها السياسة الخارجية (رسماً وتنفيذاً) بجملة من العناصر لعل أبرزها:

  • تغيير جذري في نظام الحكم (من ملكي دستوري إلى جمهوري إلى أوتوقراطي). 

  • تنامي تيار ما كان يعرف بالمد "القومي العربي" متخذاً القضية الفلسطينية مبرراً للإطاحة بأنظمة الحكم في المنطقة العربية عبر عسكرة الدولة (أي "العسكرتارية"). 

  • الحرب الباردة وما نجم عنها من بروز نظام/واقع دولي تحت مسمى الثنائية القطبية بين طرفي الصراع (المعسكرين الرأسمالي والشيوعي)، مصحوباً بتشكل أنماط تحالفات دولية وإقليمية جديدة.

  • الوفرة النفطية المعززة بدور النفط كمصدر وحيد وحيوي للطاقة في الأسواق العالمية.

 هذا التحول أسهم إلى حد كبير زحزحة مسار الدبلوماسية الليبية من الحفاظ على الاستقلال والاهتمام بالشأن الداخلي إلى حالة من العبث والشخصنة والنرجسية السياسية أدت التدخل في شؤون الدول الأخرى عبر كافة السبل (المشروعة وغير المشروعة)، وذلك على حساب القيام بإصلاحات جوهرية داخلية.

المرحلة الثالثة (ما بعد 2011)

مع مطلع العقد الثاني من هذا القرن شهدت المنطقة العربية تحولاً استراتيجياً ملحاَ وحتمياً تمثل فيما أصبح يعرف اصطلاحاً "بالربيع العربي"، أي إنتفاضة/ثورة بعض الشعوب العربية على حالة استبداد السلطات الحاكمة؛ والتي اقترنت  بقمع الديمقراطية وتفشي الفساد وتعثر التنمية وتردي الأحوال المعيشية في منطقة تصنف من أغنى مناطق العالم من حيث الثروات الطبيعية. ودون الخوض في تفاصيل المسببات والدوافع والأهداف (الداخلية والخارجية) لما حصل وما ترتب عنها من تبعات وتداعيات، لكونها خارج نطاق الدراسة، إلا أن حالة ليبيا، أخص بالذكر السياسة الخارجية الليبية، لم تكن بمنأى عن التأثر بالأحداث والمستجدات التي أشرنا لها، وذلك سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي.

تأسيساً على هذا الواقع، وتجنباً للإستكانة لحالة الوهن الذي تعانيه الدبلوماسية الليبية في هذه المرحلة، ولتجنب الإنكفاء للخطاب التشخيصي/النقدي، والدعوة لوضع مقاربات تتضمن إستشراف أفكار ومقترحات تتضمن معالجات وحلول عملية وممكنة، سنختتم هذه  الورقة برؤية موضوعية قابلة للنقاش والتحوير والتطوير، وذلك في مسعى للإسهام في الدفع بتعزيز مكانة ليبيا على ساحة الدبلوماسية  الدولية.

الفرص الممكنة

من البديهي أن مهمة تنفيذ السياسة الخارجية لأية دولة تخضع لعدة عوامل ومؤثرات، وعلى رأسها كيفية رسمها وصياغتها، وبما في ذك المناخ السياسي (المحلي والدولي) المحيط بها والمجال الذي تتحرك فيه ومن خلاله؛ ناهيك عن جانب قدرة وكفاءة ممارسيها. 

عند تفحص الحالة الليبية، والتي ليست بمعزل عن ما سبق الإشارة له في السياق العام، نجد، دون عناء البحث والتمحيص، أنها مثقلة بالملفات والقضايا العسيرة والساخنة، وملجمة بالأطماع والتدخلات الخارجية والإنتهازية السياسية، ومنهكة بالفساد وإهدار المال العام والبيروقراطية المقيتة والتضخم الوظيفي وندرة الخبرات الأصيلة وتمترس الدولة العميقة وعناصر الثورة المضادة والنفعيين، وفي حالة قطيعة متعمدة عن النخبة في ذات المجال، وغيرها من الترسبات التي جعلت وزارة الخارجية - التي من المفترض أن تكون "سيادية" - وعبر عقود مضت، مطمع وغنيمة وملاذ للجشع عبر كافة المستويات والسبل.

عند التمعن في حجم التحديات والعراقيل التي تعترض مسار تطوير السياسة الخارجية (بشقيها التشريعي والتنفيذ) فمن المجحف رفع سقف الطموحات والتوقعات الإيجابية فيها بما لا تستوعبه المرحلة، إلا أنه، ومن من الواجب، وبدافع وطني موضوعي، وبحكم التخصص والاهتمام والأهمية، أود، وبشيء من الاقتضاب، تسجيل بعض الملاحظات/المقترحات التي أرى قولبتها وفق السياق التالي:

أولاً/ على الصعيد الموضوعي/الوظيفي

ترسيخاً للقاعدة الذهبية في العلاقات الدولية، والمتمثلة في التعاون المشترك والإحترام المتبادل، فمن الضرورة بمكان أن تنحى سياستنا الخارجية وعلاقاتنا مع الدول والمنظمات الدولية (رسماً وصناعةً وتنفيذاً وتقويماً) هذا المنحى، وأن تنأ بنفسها، بما أمكن، عن الإنجرار والوقوع في فخ التجاذبات والإنتهازية والإبتزاز السياسي؛ وهذا يتأتى إلا بمراجعة جذرية منهجية في التوجهات عبر وضع إستراتيجية وطنية، مع ضرورة عدم وضع البيض في سلة واحدة؛ أي بمعنى أن تحدد نمط تحالفاتها وتوجهاتها الدولية والإقليمية  وفق بوصلة مصالحها وتطلعااتها.

فليبيا تمتلك من المكانة والمُكنة مما يؤهلها أن تتجاوز أزماتها وتتبوأ مركز مرموق يليق بها وبمقامها المأمول بين مكونات النظام الدولي. من هذا المنطلق، يستوجب التركيز على إعادة النظر في علاقات ليبيا مع العالم بما يخدم المصالح العليا للشعب الليبي، وليس لسلطاته الحاكمة، والتركيز في سلم الأولويات على علاقاتنا مع دول الجوار العربي والإفريقي والمتوسطي؛ مع توطيد علاقاتنا مع الدول والمكونات الفاعلة في النظام الدولي، بما في ذلك الأطراف الدولية التي تربطنا معها مصالح مشتركة وملفات تتعلق بقضايا ساخنة، وذات أهمية خاصة مثل الاستثمارات والممتلكات والأموال المجمدة والمهربة في الخارج والهجرة غير النظامية  والإرهاب والتهريب، وكافة الأمور المتعلقة بالإستقرار والتنمية وبناء السلم/الدولة.

بالرغم من حقيقة/بديهية أن رسم السياسة الخارجية هي اختصاص أصيل للسلطة التشريعية، ولكون وزارة الخارجية أهم الأدوات الرسمية لتنفيذها، ولكن هذا لا يعني بالمطلق التخلي عن المشاركة في التأثير على صناعتها، والعمل على قولبتها وتصويبها وفق ما مقتضيات المرحلة، وضرورات المصالح الوطنية العليا. قد يرى البعض أن حالة الإنقسلم المؤسسي/السياسي الراهنة تحول دون تحقيق هذا المطلب، إلا أن واقع الحال يشير إلى غياب هذا التعاون حتى ما قبل كارثة/مهزلة "الإنقسام".

ثانياً/ على الصعيد الهيكلي/البنيوي

إن مسألة القيام بمراجعة جوهرية لتنفيذ السياسة الخارجية الليبية سوف تكون منقوصة ومشوبة بالوهن وغير فاعلة ما لم تتخذ خطوات استباقية شجاعة ومدروسة وعاجلة تمس الإطار الهيكلي للوزارة، والتي يمكن بلورتها، وبإيجاز، في النقاط التالية:

  • تقليص الكم الهائل من أعداد السفارات والقنصليات والمندوبيات والبعثات الدبلوماسية، وكافة الأجهزة التابعة للوزارة في الخارج، وحصرها في الدول التي لنا معها مصالح مشتركة أو جاليات ليبية كبيرة، مع دمج العديد منها ليكون تمثيل ليبيا من خلالها في إطار إقليمي، وذلك للحفاظ على المال العام، ولجم ثقافة الغنيمة.

  • التركيز على بناء وتطوير القدرات والمهارات والكفاءات والتعويل على العناصر الشابة والواعدة والقادرة على مؤامة تطورات ومقتضيات العصر.

  • العمل على إشراك مكونات الدبلوماسية غير الرسمية المتعارف عليها، وتجسير العلاقة معها لتكون رافد للدبلوماسية الرسمية، وذلك إسوةً بالدول الرائدة في هذا المجال.(7)

  • إنشاء آلية استشارية في هيئة بيت خبرة أو مركز تفكير (think tank)، ليشكل مخزون معرفي داعم للاستئناس برؤاه في الظروف الطارئة والإعتيادية، على أن يتشكل من نخبة أصيلة ومتنورة من أكاديميين وممارسين من ذوي الخبرة والتميز  في المجالات ذات العلاقة، مع فتح أفاق للتعاون والتشبيك مع المؤسسات البحثية والفكرية الدولية المماثلة والفاعلة وذات التأثير في صناعة القرار.

  • تأسيس مجلس وطني  إستشاري للسياسة الخارجية والعلاقات الدولية، على أن يكون مستقل عن أية تجاذبات أو انقسامات سياسة، وأن يركز على القضايا غير الخلافية والتي تشكل توافق وطني.

 

في الختام، نرى أن اتخاذ خطوات ومعالجات عملية تطويرية غير مسبوقة ستمهد الطريق لإنطلاقة إيجابية، وذلك في مسعى تاريخي للإسهام في تصحيح الصورة النمطية السلبية عن ليبيا والليبيين في الخارج، وإستعادة وتعزيز مكانة وهيبة الدولة الليبية وتحقيق مصالحها. كما يستوجب التنويه إلى أن ما ورد في الورقة يعد محاولة أولية لوضع خطوط عريضة لبعض الإستحقاقات التي يمكن الخوض في تفاصيلها في لقاءات لاحقة (مباشرة أو إفتراضية)، والتي أرى أن تكون في صيغة عصف ذهني/فكري يضم كوكبة من الكفاءات الأكاديمية والخبرات المهنية الأكاديمي من كافة ربوع الوطن.

 (7) أنظر:

أحمد علي الأطرش، تسوية المنازعات الدولية: مدخل نظري في الوساطة الدولية، (طرابلس، ليبيا: الدار الأكاديمية للطباعة والتأليف والترجمة والنشر، 2009)، ص ص. 47-54.

Ahmed AL-ATRASH, Inter-Arab Management of Regional Conflicts: The League of Arab States and the Algeria-Morocco Case, 1963-1995 (Saarbrücken, Germany, LAP LAMBERT Academic Publishing, 2010), pp. 26-29.

للإطلاع على النموذج المطور للدبلوماسية غير الرسمية، وكذلك معلومات تفصيلية قيمة حول دبلوماسية المسارات المتعددة، زر:

‘Theory of Multi-Track Diplomacy’, Institute for Multi-Track Diplomacy (IMTD), www.imtd.org

تابعونا للمزيد من المنشورات.

اشترك في نشرتنا الإخبارية

طلب الخدمة

اختر الخدمة التي ترغب بها. يمكن اختيار أكثر من خدمة.

تواصل معنا

تواصلوا معنا لأي استفسارات أو طلبات خدمات. سيقوم فريقنا بمراجعة طلبكم والرد عليكم بالمعلومات والدعم اللازم.

bottom of page